وفاة آخر رئيس لجنوب اليمن ـ من رمز للوحدة إلى مهندس للانفصال
فلاح الياس ا ف ب
١٧ يناير ٢٠٢٦
توفي في أبوظبي، الزعيم اليمني علي سالم البيض، آخر رئيس لدولة جنوب اليمن، الذي وقع مع علي عبد الله صالح اتفاقية الوحدة، قبل أن يعود ويعلن محاولة الانفصال الفاشلة، ويبقى في المنفى بمثابة الأب الروحي للحراك الانفصالي.
وفاة علي سالم البيض أحد أبرز القادة السياسيين في تاريخ اليمن المعاصرصورة من: AFP/Getty Images
إعلان
قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي في بيان "تنعي رئاسة الجمهورية اليمنية إلى كل أبناء شعبنا اليمني العظيم وفاة ابنه البار المناضل الوطني الجسور علي سالم البيض (...). خسر الوطن برحيل القامة الوطنية الكبيرة الفقيد علي سالم البيض أحد أبرز القادة والرموز السياسية في تاريخ اليمن المعاصر".
ويُعد البيض من أبرز الشخصيات السياسية في اليمن، إذ لعب دورا محوريا في تحقيق الوحدة مع الشمال عام 1990، قبل أن يتراجع لاحقا ويقود محاولة انفصال قصيرة عام 1994، وهي محاولة باءت بالفشل وظل من منفاه يدافع عن إقامة دولة جنوبية مستقلة.
وكان البيض، الذي توفي عن 86 عاما، آخر رئيس لجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية سابقا، وشغل بعد الوحدة منصب نائب الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح. وكان ملهما لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبيعيدروس الزبيدي الذي قاد مؤخرا محاولة انفصال في الجنوب.
ونشر الزبيدي بيان نعي قال فيه "ننعي إلى شعبنا الجنوبي العظيم في الداخل والخارج، وإلى الأمة العربية والإسلامية، وفاة الهامة الوطنية والرمز التاريخي الكبير، الرئيس علي سالم البيض، الذي انتقل إلى جوار ربه عصر اليوم السبت".
ويَعتبر الزبيدي البيض بمثابة أب روحي له، فقد قاتل إلى جانبه في حرب 1994، وحافظ على تواصل معه خلال تواجده في المنفى وضمن ما عرف بـ"الحراك الجنوبي" عام 2007.
مناصب سياسية وعسكرية
وُلد علي سالم البيض في العام 1939 بمحافظة حضرموت ونشأ في بيئة تأثرت بالتحولات السياسية. له ثمانية أولاد، بينهم نجله عمرو البيض وهو من القيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي، وابنة تزوجت المغني اللبناني ملحم زين.
وبعد استقلال جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية عن الاستعمار البريطاني في العام 1967، تدرّج البيض في المناصب السياسية والعسكرية والجزبية، إلى أن أصبح أحد أبرز قادة الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم آنذاك.
وبعدما نجا من أحداث دامية في يناير 1986، تولى البيض منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني الذي كان مدعوما بشكل كبير من الاتحاد السوفياتي، وهو منصب كان يمثّل رئيس جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية وقتها.
إعلان
من الوحدة إلى إعلان الانفصال
في أواخر الثمانينات، ومع تراجع نفوذ الاتحاد السوفياتي الذي كان داعما رئيسيا لجنوب اليمن الشيوعي، عمل البيض نحو توحيد اليمن مع الشمال. وفي عام 1990، وقّع مع علي عبد الله صالح اتفاقية الوحدة اليمنية، ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس الرئاسة في الدولة اليمنية الموحدة. وبعد ثلاث سنوات من الوحدة، عاد البيض إلى عدن محتجّا على سياسات صنعاء التي اتّهمها بتهميش مناطق الجنوب، علما أن عدد سكانها أقل من الشمال لكنها تتمتع بثروة نفطية كبيرة.
وفي ظل خلافات سياسية وأمنية بلغت ذروتها في حرب صيف 1994، أعلن البيض فك الوحدة مع الشمال وقيام دولة جنوبية يرأسها. لكن ذلك استمر نحو شهرين فقط، قبل أن تهزم قوات الرئيس صالح القوات الانفصالية.
وعقب ذلك، غادر البيض إلى سلطنة عُمان كلاجئ سياسي، ثم انتقل لاحقا إلى أوروبا. وبعد سنوات طويلة من العزلة السياسية، برز البيض عام 2007 كرمز سياسي لـ"الحراك الجنوبي" من الخارج، داعيا إلى الاعتراف بمطالب الجنوب السياسية والاقتصادية.
وبرز اسم البيض في الأعوام اللاحقة عبر مواقف دعم فيها استعادة دولة الجنوب، وانتقل لاحقا إلى بيروت حيث شارك في نشاط سياسي مع قيادات يمنية جنوبية. واستمر نشاطه السياسي من الخارج خلال ما سمي بالربيع العربي في العام 2011 قبل أن يتراجع لاحقا. ثم استقرّ في السنوات الأخيرة في الإمارات. ورغم تقدّمه في السن وتراجع تأثيره المباشر، يُستخدم اسمه كرمز تاريخي للحراك الجنوبي اليمني الذي ينادي باستعادة دولة جنوب اليمن كما كانت قبل 1990.
تحرير: عبده جميل المخلافي
اليمن في صور.. حكاية الحرب والانقسام وفرص السلام الصعبة
شهد تاريخ اليمن الحديث الكثير من التحولات والحروب والتحالفات وحتى العداوات دفعت هذا البلد الفقير إلى الانزلاق إلى دوامة العنف. وأمام التدهور المتزايد للوضع الإنساني، تعالت الأصوات مؤخرا بضرورة وقف الحرب في اليمن.
صورة من: AP Photo/picture alliance
أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش توصل طرفي النزاع إلى اتفاق لإطلاق النار في الحديدة باليمن. وقبل محادثات السويد بشهر كان غوتيريش قد دعا منذ شهر لوقف فوري "لأعمال العنف" في اليمن والدفع باتّجاه محادثات سلام تضع حداً للحرب، مؤكدا أنه في غياب تحرّك، يمكن أن يواجه ما يصل إلى 14 مليون شخص، أي نصف عدد سكان اليمن، خطر المجاعة في الأشهر المقبلة، مقارنة بتسعة ملايين يواجهون المجاعة حالياً.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/K. Senosi
مدينة الحديدة التي تم التوصل إلى إتفاق لوقف إطلاق النار فيها، تعتبر مدينة استراتيجية في اليمن. وتقع على ساحل البحر الأحمر على مسافة 226 كيلومترا من العاصمة صنعاء، ويشكل ميناؤها شريان الحياة لملايين اليمنيين في المدينة والمناطق القريبة منها. وشهدت في الأشهر الأخيرة معارك طاحنة بين قوات الحوثيين المتمردة وقوات الحكومة الشرعية مدعومة بقوات التحالف العربي.
صورة من: picture-alliance/afk-images/H. Chapollion
وجاء تحرك الأمم المتحدة الجديد في الأسابيع الأخيرة في ضوء تغير ملحوظ في موقف الولايات المتحدة من الأزمة في اليمن، حيث أظهرت واشنطن إشارات ضغط على حليفتها السعودية لإنهاء الحرب وإجراء محادثات سلام. فقد دعا وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس أطراف الصراع في اليمن إلى الانضمام إلى "طاولة مفاوضات على أساس وقف لإطلاق النار".
صورة من: Getty Images/AFP
بعد عقود من تقسيمه إلى جنوب وشمال واعتناق إيديولوجيتين مختلفتين تماماً، جاء توحيد شطري اليمن عام 1990 إثر انهيار دول المعسكر الاشتراكي، حيث قامت دولة واحدة تحت قيادة الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح.
صورة من: picture-alliance/dpa
لكن بعد نحو أربعة أعوام اندلعت حرب أهلية، ففي أبريل/ نيسان 1994 وقع تبادل لإطلاق النار في معسكر تابع لليمن الجنوبي قرب صنعاء، وسرعان ما تطورت لحرب كاملة في 20 مايو/ أيار وقامت حرب 1994 الأهلية في اليمن بعد ثلاثة أسابيع من تساقط صواريخ سكود على صنعاء، وأعلن علي سالم البيض نفسه رئيساً على دولة جديدة سماها جمهورية اليمن الديمقراطية من عدن.
صورة من: picture-alliance/dpa
ولم يعترف أحد بالدولة الجديدة التي أعلنها البيض، لكن السعودية، اللاعب الإقليمي الرئيس في الساحة اليمنية، عملت على إخراج اعتراف من مجلس التعاون الخليجي بالدولة الجديدة، لكن صالح أفشل الجهود السعودية وحال دون انفصال الجنوب عن الشمال مجدداً.
صورة من: AFP/Getty Images/F. Nureldine
بعد سلام لسنوات قليلة، سرعان ما عادت الحرب إلى ربوع اليمن، حين احتج الحوثيون على تهميشهم، وخاضوا من عام 2003 حتى 2009 ست حروب مع قوات صالح ومن ثم حرباً مع السعودية.
صورة من: AFP/Getty Images
في خضم احتجاجات ما يُسمى بـ"الربيع العربي" عام 2011 ضعف حكم الرئيس صالح، لكنها قادت إلى انقسامات في الجيش، ما سمح لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب بالسيطرة على مساحات كبيرة في شرق البلاد.
صورة من: picture-alliance/dpa
بعد عام من الاحتجاجات والاعتصامات والكثير من الضحايا تنحى الرئيس السابق علي عبد الله صالح عام 2012 في إطار خطة للانتقال السياسي تدعمها دول خليجية. وضمن الاتفاق أيضاً أصبح عبد ربه منصور هادي رئيساً مؤقتاً ليشرف على "حوار وطني" لوضع دستور شامل على أساس اتحادي.
صورة من: AFP/Getty Images/M. Huwais
في خضم ذلك ومحاولات الرئيس صالح وحلفائه تقويض عملية الانتقال السياسي في البلاد وفق المبادرة الخليجية، ازداد انتشار تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عام 2013، رغم الهجمات العسكرية عليه والضربات بطائرات دون طيار، وبات يشن هجمات في مختلف أنحاء البلاد.
صورة من: Reuters
ولم يمض عام حتى تقدم الحوثيون بسرعة انطلاقاً من معقلهم في صعدة وسيطروا على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014 بمساعدة صالح والقوات المتحالفة معه، وطالبوا بالمشاركة في السلطة.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/Hani Mohammed
عام 2015 حاول هادي إعلان دستور اتحادي جديد يعارضه الحوثيون وصالح، ورغم أنه فشل في ذلك لكنه نجح في الهروب من مطاردة الحوثيين له ولجأ إلى السعودية. وبدء التدخل السعودي العسكري في مارس/ آذار بتحالف عسكري عربي تم تجميعه على عجل. بعد شهور يدفع التحالف الحوثيين والموالين لصالح إلى الخروج من عدن في جنوب اليمن وفي مأرب إلى الشمال الشرقي من صنعاء لكن الخطوط الأمامية تستقر لتبدأ فترة جمود.
صورة من: picture-alliance/dpa/AP Photo//Yemen's Defense Ministry
عام 2016 استغل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الفوضى من جديد وأعلن عن إقامة دويلة حول المكلا في شرق اليمن الأمر الذي أثار مخاوف من أن الحرب ستؤدي إلى تصاعد نشاط المتشددين من جديد. الإمارات عملت على مساندة القوات المحلية في معركة لوضع نهاية لوجود التنظيم هناك.
صورة من: AFP/Getty Images
لكن هذه الحروب تركت آثارها على اليمن، فقد انتشر الجوع مع فرض التحالف السعودي حصاراً جزئياً على اليمن واتهامه إيران بتهريب الصواريخ للحوثيين عن طريق ميناء الحديدة مع الواردات الغذائية. وإيران تنفي هذا الاتهام.
كما تسببت الغارات جوية التي شنها التحالف في مقتل مئات المدنيين، ما دفع منظمات حقوقية إلى إطلاق تحذيرات، غير أن الدعم الغربي للسعودية وحلفائها لم ينقطع.
صورة من: Getty Images/AFP/A. Hyder
عام 2017 يمكن تسميته بعام حرب الصواريخ، فقد بات الحوثيون يطلقون عدداً متزايداً من الصواريخ على عمق الأراضي السعودية بما في ذلك الرياض.
صورة من: Reuters/Houthi Military Media Unit
وفي خضم هذه التطورات المستعرة ظهرت خلافات بين صالح وحلفائه الحوثيين، فرأى صالح فرصة لاستعادة أسرته للسلطة من خلال الانقلاب على حلفائه الحوثيين لكنهم قتلوه أثناء محاولة الهرب منهم نحو عدو الأمس السعودية.
صورة من: picture-alliance/dpa/Yahya Arhab
أطلقت القوات التي يدعمها التحالف السعودي بما فيها بعض القوات التي ترفع علم الانفصاليين في الجنوب عملية على ساحل البحر الأحمر في مواجهة الحوثيين بهدف انتزاع السيطرة على ميناء الحديدة آخر نقاط الإمداد الرئيسية لشمال اليمن، حيث تدور معارك شرسة.