وفاة رفعت الأسد.. "جزار حماة" والشقيق اللدود لحافظ الأسد
علاء جمعة ا ف ب ، رويترز
٢١ يناير ٢٠٢٦
برحيل رفعت الأسد، عمّ الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، تُطوى صفحة واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ سوريا الحديث. رجل ارتبط اسمه بأحداث حماة الدامية عام 1982، وبصراع السلطة داخل الأسرة الأسدية في سوريا.
في عام 2021، عاد رفعت الأسد إلى سوريا، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها جاءت لتفادي تنفيذ الحكم القضائي الفرنسي، وبموجب تسوية مع السلطات آنذاك.صورة من: picture-alliance/dpa/AP/M. Euler
إعلان
توفي رفعت الأسد عن عمر ناهز 88 عامًا، بحسب ما أكده مصدران مقرّبان من العائلة لوكالة فرانس برس. وأفاد أحدهما، وهو موظف سابق في القصر الجمهوري، بأن الوفاة جاءت بعد إصابته بالإنفلونزا لنحو أسبوع. ولم يُحدَّد رسميًا مكان وفاته، غير أن مصادر مقرّبة أشارت إلى أنه كان قد انتقل إلى دولة الإمارات بعد سقوط الحكم السابق. أفادت وسائل إعلام إماراتية بوفاة نائب الرئيس السوري الأسبق.
من قلب السلطة إلى صراع الأخوة
برز رفعت الأسد، الشقيق الأصغر للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، كأحد أركان النظام بعد انقلاب عام 1970. شغل منصب نائب الرئيس وقاد قوات النخبة المعروفة بـ"سرايا الدفاع"، ما جعله لاعبًا أساسيًا في تثبيت حكم الأسرة الأسدية.
لكن طموحاته السياسية بلغت ذروتها في ثمانينيات القرن الماضي، عندما دخل في مواجهة مفتوحة مع شقيقه، انتهت بمحاولة انقلاب فاشلة عام 1984، اضطر بعدها إلى مغادرة البلاد.
واحتفظ رفعت بطموحاته الرئاسية خلال سنوات المنفى التي قضى معظمها في فرنسا. وعندما توفي حافظ في 2000، اعترض رفعت على انتقال السلطة إلى بشار وأعلن نفسه خليفة شرعيا له فيما تبين في نهاية المطاف أنه تحد للقيادة.
وتدخل من الخارج مرة أخرى في 2011 عندما بدأت احتجاجات المعارضة السورية، وحث ابن أخيه على التنحي بسرعة لتفادي حرب
أهلية. لكنه أيضا لم يحمل بشار مسؤولية الانتفاضة ضد حكمه وعزاها إلى تراكم الأخطاء.
إعلان
مجزرة حماة
يرتبط اسم رفعت الأسد بشكل مباشر بأحداث حماة عام 1982، حين قادت قواته الحملة الأمنية التي استمرت 27 يومًا لقمع تمرّد لجماعة الإخوان المسلمين.
ولم تصدر حصيلة رسمية لضحايا تلك الحملة، إلا أن تقديرات منظمات حقوقية تراوحت بين عشرة آلاف وأربعين ألف قتيل، معظمهم من المدنيين. هذه الوقائع أكسبته لقب "جزار حماة"، ولاحقته قانونيًا لعقود.
منفى طويل
بعد خروجه من سوريا، تنقّل رفعت الأسد بين سويسرا وفرنسا وإسبانيا، وبنى ثروة ضخمة من العقارات والأعمال. غير أن هذه الثروة أصبحت موضع تحقيقات قضائية، خصوصًا في فرنسا، حيث أدين عام 2022 بتهمة جمع أصول تُقدّر بنحو 90 مليون يورو بطرق احتيالية، وصدر بحقه حكم بالسجن أربع سنوات مع مصادرة ممتلكاته.
عودة ثم فرار جديد
في عام 2021، عاد رفعت الأسد إلى سوريا، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها جاءت لتفادي تنفيذ الحكم القضائي الفرنسي، وبموجب تسوية مع السلطات آنذاك. وظهر علنًا عام 2023 في صورة عائلية ضمّت بشار الأسد وزوجته أسماء.
لكن هذه العودة لم تدم طويلًا، إذ غادر سوريا مجددًا بعد الإطاحة ببشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، متجهًا إلى لبنان، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى دولة أخرى.
إرث مثير للانقسام
رحلرفعت الأسد قبل أن يمثل أمام القضاء السويسري، الذي كان يلاحقه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وبينما يرى حقوقيون أن وفاته حرمت الضحايا من لحظة محاسبة كاملة، يؤكدون أن ملاحقة أمواله ومصادرتها تمثّل خطوة في مسار طويل ضد الإفلات من العقاب.
هكذا، يودّع المشهد السياسي السوري أحد أكثر وجوهه غموضًا وقسوة، رجل ظل حاضرًا في ذاكرة السوريين لا بصفته مسؤولًا سابقًا فحسب، بل رمزًا لمرحلة دامية من تاريخ البلاد.
تحرير: عبده جميل المخلافي
حصاد "سوريا ما بعد الأسد" ... تحديات داخلية وخارجية
فتحت الإطاحة بنظام الأسدين، الأب حافظ والابن بشار، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 نافذة أمل وتفاؤل، ولكن ليس من دون أعاصير.
صورة من: Louai Beshara/AFP/Getty Images
اعتداءات إسرائيلية
بعد ساعات من سقوط بشار الأسد أطلقت إسرائيل عملية "سهم باشان"، والتي ما زالت مستمرة، دمرت معظم ما تبقى من سلاح الجو والصواريخ والبحرية السوري، واحتلت أراضي جديدة في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق منتهكة اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. كما تذرعت إسرائيل، التي عبرت عن تشككها بسبب "جذور أحمد الشرع الجهادية"، بحماية الدروز وقصفت قلب دمشق. ولم تسفر جهود عن توقيع اتفاقيات سلام أو ترتيبات أمنية.
صورة من: Ali Haj Suleiman/Getty Images
عودة سوريا للمجتمع الدولي
كانت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي، جان نويل بارو، من أوائل زوار العاصمة السورية. وتوالت زيارات المسؤولين الأوروبيين والغربيين والعرب بمستويات رفيعة لدمشق. كما قام الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني بحراك دبلوماسي مكثف توج بخطاب الشرع في الأمم المتحدة ومن ثم زيارته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر 2025. كما زار الشرع موسكو قبل ذلك بشهر.
صورة من: Dominik Butzmann/AA/photothek/picture alliance
عقدة توحيد الفصائل والميلشيات
قبل انتهاء عام 2024 أعلنت إدارة العمليات العسكرية، وهي التي قادت الهجوم الذي أطاح بالأسد، على اتفاق فصائلها على حل نفسها ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع. ولكن تمسك الدروز تحت امرة شيخ عقل الطائفة حكمت الهجري واللواء الثامن التابع لأحمد العودة في درعا بسلاحهما. وبينما نجحت السلطة في حلحلة عقدة العودة، بقي الأمر مع الميلشيات الدرزية بانتظار الانفجار. كما رفضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاندماج.
صورة من: Rama Jarmakani/DW
"مؤتمر النصر"
في 29 كانون الثاني/يناير، أعلن أحمد الشرع حل الفصائل المسلحة بما فيها هيئة تحرير الشام التي كان يقودها والمنبثقة من تنظيم القاعدة قبل أن تقطع صلاتها به في عام 2016. كما أعلن في المؤتمر عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحل الجيش السوري السابق وأجهزة المخابرات والأمن، وإلغاء الدستور ووقف العمل بالقوانين الاستثنائية. كما أقر المؤتمر تعيين أحمد الشرع رئيساً انتقالياً.
صورة من: Leo Correa/AP Photo/picture alliance
صدمات طائفية في الساحل
في آذار/ مارس، شهد الساحل أعمال عنف قتل خلالها أكثر من 1400 شخص غالبيتهم من العلويين، واتهمت السلطات موالين لبشار الأسد بإشعالها عبر شن هجمات دامية على عناصرها. وخلص فريق محققين تابع للأمم المتحدة إلى أن جرائم حرب ارتُكبت على الأرجح من الطرفين. وأعلنت لجنة تحقيق حكومية تحديد هوية 298 شخصاً يُشتبه بتورطهم في عنف طال الأقلية العلوية، مشيرة إلى تحقّقها من "انتهاكات جسيمة". ووعدت بمعاقبة المسؤولين.
صورة من: Karam al-Masri/REUTERS
اتفاق 10 آذار/ مارس مع "قسد"
وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاق آذار/مارس لدمج قوات قسد، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري وتسيطر على ثلث مساحة البلاد، في الجيش السوري، وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق "قسد"، إلى جانب بنود أخرى تتعلق برفض دعوات التقسيم، وتسليم حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لدمشق. وحددت فترة التنفيذ بما لا يتجاوز نهاية 2025، لكن تحديات وأزمة ثقة أبطأت تنفيذ الاتفاق.
صورة من: SANA/UPI Photo/Newscom/picture alliance
إعلان دستوري
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 13 آذار/مارس الإعلان الدستوري لتنظيم شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية، التي حددت بخمس سنوات. وقد ضم الإعلان 53 مادة موزعة على أربعة أبواب. ومنح الاعلان الدستوري الشرع سلطات شبه مطلقة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، رغم نصه على مبدأ "الفصل بين السلطات"، ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية ومكونات سورية أبرزها الأكراد.
صورة من: Syrian Presidency/Handout via REUTERS
قتال دموي في السويداء
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في منتصف تموز/يوليو اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، تحوّلت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر. وفي حين أكدت دمشق أن قواتها تدخّلت لوقف الاشتباكات، يتهمها خصومها بالقتال إلى جانب البدو وارتكاب انتهاكات في حقّ الدروز. واستهدفت إسرائيل القوات الحكومية بهدف معلن هو حماية الدروز.
صورة من: Hisam Hac Omer/Anadolu/picture alliance
انتخابات برلمانية غير مباشرة
أجريت في تشرين الأول/أكتوبر عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب للمرة الأولى منذ سقوط الأسد. وبلغ عدد مقاعد المجلس، الذي تستمر فترة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد، 210 مقعداً، منها ثلث يعينه رئيس الجمهورية مباشرة، فيما انتخب الثلثان الآخران عبر آلية استثنائية، تقوم بموجبها هيئات مناطقية شكلتها لجنة عيّن الشرع أعضاءها، باختيار الثلتين الباقيين. وتم تأجيل العملية في محافظات السويداء والرقة والحسكة.
صورة من: LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images
عقوبات "قيصر" وأخواتها
منذ لقاء الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوساطة من ولي العهد السعودي في الرياض في أيار/مايو 2025، بدأت واشنطن بالرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، ، لكن أكثر تلك العقوبات قسوة والمعروفة بقانون قيصر لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس، بيد أنه تم تمديد تعليق تلك العقوبات لمدة 180 يوماً. وشطبت واشنطن ودول غربية أخرى ومجلس الأمن الدولي العقوبات على الشرع ووزير داخليته.
صورة من: SANA/AFP
إعادة الإعمار
من أهم التحديات التي تواجه الحكومة إعادة الإعمار والتي قدر البنك الدولي تكاليفها بحوالي 216 مليار دولار. وتسعى الحكومة لجذب الاستثمارات وترميم البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب وعطلت عجلات إنتاجه. وتزعّمت السعودية جهوداً لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي ووقعت هي ودول خليجية أخرى صفقات بالمليارات مع دمشق. وبحسب الأمم المتحدة، فإن تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة بلا عمل.