ملايين الأطنان: لماذا فشل العالم في كبح طوفان البلاستيك؟
٢٩ ديسمبر ٢٠٢٥
على الرغم من حظره رسميا في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2021، لا تزال الشفاطات البلاستيكية وأدوات المائدة وصناديق الستايروفوم حاضرة على طاولات الطلبات الخارجية وفي المقاهي والمطاعم في مختلف أنحاء أوروبا. البلاستيك: إنتاج يتزايد وأضرار تتفاقم.
وكان الاتحاد الأوروبي قد استهدف عددا من هذه المنتجات بعد أن أظهرت بياناته أن 85% من النفايات التي تجرفها الأمواج إلى شواطئه هي نفايات بلاستيكية، يشكّل ما يقرب من نصفها منتجات أحادية الاستخدام مثل الشفاطات وعلب الطعام وأدوات المائدة والأطباق.
ولمواجهة تفاقم مشكلة النفايات البلاستيكية التي يمكن أن تطلق مواد كيميائية ضارة وجزيئات دقيقة تتسلل إلى البيئة وإلى جسم الإنسان، بما يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض خطيرة كالعقم والسرطان، قرر الاتحاد الأوروبي التدخل بحزمة من الإجراءات.
وكانت الفكرة في ظاهرها بسيطة: حظر بيع وإنتاج واستيراد أكثر المنتجات إضرارًا بالبيئة، بما يؤدي إلى تلاشي المشكلة تدريجيًا.
واقع مغاير
غير أن الواقع جاء مغايرًا، إذ أظهر مسح أجرته منظمة العمل البيئي الألمانية (DUH) عام 2024 أن نحو 70% من مطاعم الوجبات الجاهزة في برلين لا تزال تستخدم منتجات بلاستيكية محظورة، كما كشف تقرير صادر في العام نفسه عن خمس منظمات غير حكومية أن هذه المنتجات ما زالت متاحة على نطاق واسع في معظم الدول الأوروبية.
ويُنتج العالم سنويًا أكثر من 400 مليون طن متري من البلاستيك، أي ما يعادل نحو 50 كيلوغرامًا للفرد. ومع استمرار ارتفاع معدلات الإنتاج وضعف فعالية الأطر القانونية العالمية، يحذّر الباحثون من أن الأزمة مرشحة لمزيد من التفاقم.
البلاستيك في كل مكان
تُرجع إحدى الفرضيات استمرار استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام بعد الحظر الأوروبي إلى المخزونات المتبقية من فترة جائحة كورونا، لا سيما خلال ذروة الإغلاق عام 2020، حين شهدت طلبات الطعام الجاهز ارتفاعًا كبيرًا.
غير أن خبراء، من بينهم بريتا شوتس من هيئة حماية المستهلك في برلين، يشككون في هذا التفسير. وتقول شوتس إن الحظر دخل حيّز التنفيذ عام 2021، أي قبل أربع سنوات، معتبرة أنه من غير المرجح أن تكون المطاعم قد خزّنت كميات هائلة من العبوات طوال هذه الفترة، كما تشير إلى أن البلاستيك يصبح مساميًا بمرور الوقت وله حدّ زمني آمن عند استخدامه مع الأغذية والمشروبات، وترى أن السبب الأرجح يتمثل في عدم التزام بعض التجار وأصحاب المنشآت الغذائية بالقانون.
معاناة أصحاب الأعمال الصغيرة
يشكو العديد من أصحاب المشاريع الصغيرة الذين لجؤوا إلى بدائل ورقية أو مصنوعة من الألمنيوم من ارتفاع التكاليف. وقال أحد أصحاب المطاعم في حديث لـDW: "الأمر كارثي، ويصعب العثور على أطباق ورقية مناسبة، كما أنها باهظة الثمن"، فيما أشار آخر إلى نفس الصعوبات مؤكداً أن توزيع الشفاطات البلاستيكية كان يحمل بالنسبة له "قيمة عاطفية".
غير أن هذه العاطفة قد تكون مكلفة، إذ يواجه المخالفون في ألمانيا غرامات قد تصل إلى 100 ألف يورو (نحو 116 ألف دولار).
وتفاقم المشكلة أضعف من تطبيق العقوبات، فعندما تواصلت DW مع السلطات في خمس من أكبر المدن الألمانية للاستفسار عن آليات الرقابة والعقاب، لم تتمكن أي جهة من تقديم مثال على فرض غرامة فعلية. وأفادت معظم الجهات بأنها تتحرك فقط بناءً على الشكاوى أو من خلال عمليات تفتيش عشوائية.
ويرى توماس فيشر، رئيس قسم الاقتصاد الدائري في منظمة DUH، أن فرض الغرامات بانتظام والتواصل الواضح بشأن الحظر من شأنه أن يشكّل رادعًا فعّالًا، مشبّهًا الأمر بالتهرب من دفع أجرة المواصلات العامة: "عندما يشعر الناس بأن المخالفات تُعاقَب، فإنهم يمتنعون عنها"
في المقابل، اتخذت دول أخرى نهجًا أكثر تشددًا، فقد حظرت كينيا الأكياس البلاستيكية عام 2017، وفرضت غرامات تصل إلى أربعة ملايين شلن كيني (نحو 31 ألف دولار) أو عقوبات بالسجن تصل إلى أربع سنوات، ولم يكن هذا التهديد شكليًا، إذ سجّلت السلطات بعد عامين مئات الاعتقالات والملاحقات القضائية، من بينها توقيف ثلاثة بائعي فواكه لاستخدامهم أكياسًا محظورة.
التحايل على القوانين
يمثّل البيع عبر الإنترنت إحدى أبرز الثغرات، حيث لا تزال الشفاطات البلاستيكية وأدوات المائدة تُباع بسهولة عبر منصات مثل Temu وeBay وFruugo
وتوضح شوتس أن "طلب منتجات بلاستيكية محظورة من دول خارج الاتحاد الأوروبي أمر بالغ السهولة، حيث لا يلتزم المصنعون هناك بالتشريعات الأوروبية."
حتى داخل الاتحاد، يستغل بعض المصنعين ثغرات قانونية عبر إنتاج أدوات مائدة أكثر سماكة وتصنيفها على أنها "قابلة لإعادة الاستخدام"
وتعلّق ناتالي غونتار من المعهد الوطني الفرنسي للزراعة والغذاء والبيئة قائلة: "كون المنتج قابلًا لإعادة الاستخدام لا يعني أنه يُستخدم فعليًا أكثر من مرة".
وتشير إلى أن الحظر الأوروبي أدى في بعض الحالات إلى زيادة الاستهلاك بدلًا من خفضه.
وتضيف: "التحايل على القانون ممكن ببساطة عبر زيادة السُمك»، مستذكرة أن شركات تواصلت معها أثناء صياغة التشريعات، ثم عادت لاحقًا لتقول: "لم نعد بحاجة إلى المساعدة، سنزيد السُمك فقط."
فسيفساء تشريعية غير فعّالة
حتى الآن، أدخلت ما لا يقل عن 90 دولة حول العالم أشكالًا من حظر البلاستيك، غير أن هذه القوانين تختلف بشكل كبير من حيث النطاق والمنتجات المستهدفة، ما يجعلها أقل فعالية في الحد من النفايات.
في ألمانيا، على سبيل المثال، يقتصر الحظر على الأكياس البلاستيكية التي يتراوح سمكها بين 15 و50 ميكرومترًا، رغم أن هذه الفئة شكّلت 87% من الأكياس الموزعة عام 2022، وهو ما يعكس حجم الالتباس التشريعي.
وحتى في كينيا، التي يُنظر إلى حظرها بوصفه نجاحًا نسبيًا مع ملاحظات بانخفاض التلوث في مدن كبرى مثل نيروبي، بدأ التقدم يتباطأ مع تدفّق الأكياس البلاستيكية من دول مجاورة لا تطبق الحظر.
وأظهرت دراسة أمريكية صدرت عام 2025 أن الحظر الشامل أو المطبق على مستوى الدولة هو الأكثر فعالية، لا سيما في بلد تحظر بعض ولاياته سنّ أي تشريعات متعلقة بالبلاستيك.
وتقول شيمينا بانغاس من مركز القانون البيئي الدولي: "الاعتقاد بإمكانية حل المشكلة دولة بدولة لم يعد مجديًا، نحن نخوض لعبة ضرب الخلد: نحظر منتجًا هنا ليُصنَّع في مكان آخر."
وبالإضافة إلى الدعوة لحظر عالمي، تطالب بانغاس بفرض سقف لإنتاج البلاستيك، وهو مقترح نوقش ضمن مفاوضات معاهدة البلاستيك التابعة للأمم المتحدة، وآخرها في أغسطس 2025.
وقد دافعت دول منتجة للنفط مثل إيران والسعودية والصين وروسيا عن الإبقاء على التشريعات في الإطار الوطني والتركيز على إدارة النفايات، فيما دفعت مجموعة أخرى بقيادة النرويج ورواندا وكندا و72 دولة نحو حظر أوسع وتحديد سقف للإنتاج، غير أن التباين الحاد في المواقف حال دون التوصل إلى توافق، علمًا بأن نحو 98% من البلاستيك يُنتج من الوقود الأحفوري.
وتختتم ناتالي غونتار بالقول إن السياسات الصارمة تأخرت كثيرًا: "علينا أن نبدأ الآن. حتى خفض استهلاك البلاستيك بنسبة 10% خلال العقد المقبل سيكون إنجازًا حقيقيًا"
أعدته للعربية: ولاء جمال